السيد حيدر الآملي

162

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وإشارة الشبلي رحمة اللّه عليه : « أنا أقول وأنا أسمع ، وهل في الدّارين غيري » ؟ ما كان إلّا في هذا المقام ، ويشهد به أيضا قول الإمام العارف ابن الفارض قدس اللّه سرّه : ولو كنت بي من نقطة الباء خفضة * رفعت إلى ما لم تنله بحيلتي لأنّ هذا إشارة إلى الفناء والرجوع إلى العدم الأصلي ثمّ إلى البقاء والوصول إلى العالم القدسي المعبّر عنه بالحضرة الإلهيّة ، لقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] . ثمّ يسجد أي يرجع أيضا إلى أصله قهقرا حتّى يصل إلى المرتبة النباتيّة وحركتها المنكوسة المخصوصة بها لأنّ السجدة عبارة عن تعفير أشرف الأشياء في الإنسان وأجلها الّذي هو الوجه بأخس الأشياء في الوجود الّذي هو الأرض كسرا لنفس الساجد وإذلالا له . وهذا الكسر والإذلال في المرتبة الثانية إشارة إلى الفناء بعد الفناء ، لأنّ الفناء الأوّل كان من الصفات والأخلاق ، وهذا الفناء عن الوجود والذات ، لأنّ القرب الحقيقي كما هو موقوف على الفناء الوصفي والوصل الحقيقي ، موقوف على الفناء الذاتي ، المخصوص بأهل الحقيقة كما أشرنا إليه ، ولهذا قال : « سبحان ربّي الأعلى وبحمده » ، لأنّ السالك ما دام في مقام الكثرة ومشاهدة مظاهر الصفات فهو بعيد ، لأنه يعبد ربّه المقيّد لا الربّ المطلق ، لكن إذا وصل إلى التوحيد الذاتي خلص من ذاك وقال بلسان الحال : « سبحان ربي الأعلى وبحمده » أي الأعلى من ربّه الخاصّ ،